بين الجهات.. أقف

يصعب علي تذكر أسماء الجهات الأساسية بلهجتي المحلية (لهجة قبائل الحجاز حاضرةً وبادية حسب علمي)، والصعوبة ليست في المسميات وأنما في غربتي عن الحديث بلهجتي الأم وبعدي عنها بالرغم من طلاقة والدي في الحديث بها. ربما لا يبدو جهلي بلهجة ذويي الأصلية كمصاب عظيم للبعض، ولكن البعض لم يتذوقوا نظرات أبي الغاضبة عندما أتيبس في مكاني وهو يسألني أن أفتح الباب الحدري وخيبته الساخرة في جيل لا يعرف حدره من فرعه. أفكر في كل القصائد التي تحفظ قولًا لا كتابة وكيف ستغدو عندما تنسى لأنها أصبحت شفرة مستحيلة لأحفاد قائليها. وأفكر أيضا في ضياعي فكيف للمرء أن يدرك موقفه من الحياة ما دام لا يعرف محيطه؟

ومُعضلتي ليست في التفرقة بين الجنوب والشمال، فالجنوب لدينا يمن، والشمال شام لفظٌان تتداولهما ألسنتنا أسوة بأجدادنا منذ عصور العرب القديمة مثلما ورد في لسان العرب لابن منظور: «والعرب تقول: أخذ فلان يمينا وأخذ يسارا، وأخذ يمنة أو يسرة. ويامن فلان :أخذ ذات اليمين، وياسر: أخذ ذات الشمال. ابن السكيت: يامن بأصحابك وشائم بهم أي خذ بهم يمينا وشمالا، ولا يقال: تيامن بهم ولا تياسر بهم، ويقال: أشأم الرجل وأيمن إذا أراد اليمين، ويامن وأيمن إذا أراد اليمن. واليمنة: خلاف اليسرة.» وربما هذه السهولة في فهم يمن وشام لشيوعها محليًا وعربيًا ففي مدينة جدة حي النزلة اليمانية الواقع خارج سور جدة قديمًا من ناحية الجنوب، وداخل السور نجد حارتي اليمن والشام المسميتان تبعًا لموقعيهما. يذُكر أيضا أن في مكة حارة شامية وسميت بذلك لموقعها شمال الحرم وأزيلت في عام 1429 في مشروع توسعة الحرم المكي. وعربيًا توجد دولة اليمن (رسميًا الجمهورية اليمنية) وسُميت بذلك لموقعها الجغرافي جنوب الجزيرة العربية ويقابلها شمالًا دول الشام: سوريا، ولبنان، والأردن، وفلسطين.

والآن أعود وأقف بين الشرق والغرب أو حدر وفرع اللذان ما زلت أجهل أيهما الشرق وأيهما الغرب حتى لحظة كتابتي هذه الجملة! بعد بحث مختصر أتضحلي أن فرع هو الشرق وحدر هو الغرب فبحثت بشكل أوسع في المعاجم العربية عن معنى كلمتي فرع وحدر فتبينت الآتي: فرع تعني أعلى الشيء أو فوقه، وفي لسان العرب: «فرع: فرع كل شيءٍ: أعلاه، والجمع فروع، لا يكسر على غير ذلك. وفي حديث افتتاح الصلاة: كان يرفع يديه إِلى فروع أذنيه أي أعاليها.» يُسهل ربط هذه الكلمة باتجاه الشرق بعد فهمها فيبدو لي أن فرع الدارجة لدينا مستمدة من الجبال العالية الراسية شرق إقليم الحجاز والتي يشتق الحجاز اسمه منها.

أما حدر فتعني جهة الغرب في لهجتنا وفي معاجم اللغة تعني الانخفاض أو ما دون الشيء والنزول ويقول الأزهري: «وكل شيء أرسلته إلى أسفل، فقد حدرته حدرا وحدورا.»، ويذكر هذا اللفظ (حدرت أي أنزلت) في أبيات غزل أبو حيان الأندلسي:

لَما رَأَتني مُقبلاً حَدَرَت عَلى     شِبهِ الهلالِ مِن الدَمَقسِ نَصيفا

وَتَلَفَّعت برِدائِها لكنَّها      رَقَّت فَحَيَّت بِالسَلامِ أَسِيفا

وهذا المعنى يسهل ربطه بجهة الغرب في أراضي الأجداد وأغلب الظن هو أنه ارتبط بالغرب لانخفاض الأرض ناحية ساحل البحر الأحمر فيما يعرف بتهامة الحجاز.

بعد بحثي عن هذه الكلمات وتمكني من فهمها سهل حفظها في ذاكرتي وزاد اتصالي بأسلافي وهذا هو الحال مع الكثير من الكلمات التي ننقلها باستغراب ويصفها البعض بالطلاسم متبعًا كلامه بضحكات وهو يشاركها في إحدى المنشورات على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي المطالبة: «شاركنا أغرب كلمة في لهجتك» والحقيقة هي أن هذه المفردات ليست غريبة أنما نحن من ابتعدنا وأصبحنا أغرابا عنها، فالكلمات هي وليدة الحاجة للتعبير والوصف والتواصل وليست عبثية أو محض صدفة صوتية. وهذا لا يعني الوقوف بين لغتنا واستعارة المسميات للأجهزة الحديثة على سبيل المثال لا الحصر من غيرها، تتطور لغتنا ونتطور معها عندما نعي أهميتها ونتوقف عن الضحك عند محاولتنا للتكلم بالفصحى أو إذا سمعنا تعريب جملة أعجمية، وتتطور لغتنا أيضا عندما نخلق كلمات جديدة مواكبة لعصرنا وعواطفنا الحديثة.

Comments