«ألا إن نفس الشعر ماتت»


«والعجيب أننا لم نتحرك» هكذا يكتب أحمد كمال زكي عام ١٩٨٣ وهو يبحث في الشعر الحديث ومؤثراته وتجاهل النقاد له، صفحاتنا خالية، ولم نتحرك. آنذاك (القرن الماضي) كان الشعراء يكتبون في الصحف، وكان الشعر محسوسًا، بالرغم من هامشيته، كان له صوت. اليوم أصبح الشعراء بشرًا، أتذكر قبل أعوام عندما سألني أحدهم عن خططي للمستقبل، وجوابي «كاتبة» الذي أضحك السائل! قد تبدو وقاحة (وهي كذلك) إلا أنه رد واقعي، فقبل شهور أعلنت مجلة أدبية أمريكية عن وقوعها في مأزق، لكثرة الكتاب وقلة القراء.

والحقيقة هي أنني لا أصدق بكثرة الكتاب، ربما هناك كتاب لا يقرأون وهذه مشكلة، ولكن بشكل عام (وطبقًا لأحاسيسي: نسبة الكتاب في العالم لم تتغير)، ما المشكلة إذن؟ فقد الكتاب (والشعراء منهم) وزنهم في المجتمع، حتى في وطننا الذي كان الشعراء فيه يومًا يرجحون كفة كل ميزان. الناس اليوم، بالرغم من أنهم يقرأون فهم لا يقرأون؛ يريدون مقابل مادي للقصيدة التي يقرأونها، وقد يكون ماديًا ضمنيًا، مثل أن تقرأ كتابًا ما لتقول أنك قرأته، فتكتسب قيمة كونك من قراء فلان. عندما أقول أني درست الأدب، بكامل قواي العقلية، يسألني البعض: «طيب وبعدين؟ وش الفايدة من الأدب؟» لا يهم هؤلاء أي من المحاضرات التقديمية عن قيمة الأدب للحضارة، يهمهم القيمة المادية التي امتلكها من الأدب، فالأدب بحر وليس مجال محدود بسلم رواتب واضح، لذا يعود السؤال: «وش الفايدة؟»



حبذا لو أن بالإمكان طرح مسألة بسيطة، أوجد قيمة س (الأدب) ولكن لا قانون لأعوض به. يعود السؤال مجددًا بطريقة أذكى، أليس الأدب والكتابة هواية؟ أليست اللغة الأجنبية مهارة هامشية في متطلبات التوظيف؟ أجيب مجددًا ولكنني أحبه، ولكن العاطفة أيضًا لا قيمة لها، ولكن الشاعر الأمريكي غريغوري أور يقول أنه من حسن حظنا أن القصائد لا تُباع، وأن لا قيمة للشعر، فالشعر يهدى ولا يشترى. أما أنا فأرى أن لهذا السبب، لكون الكلمة لا سعر لها، فهي أما تكون هدية أو سلاحًا.


How lucky we are
That you can’t sell
A poem, that it has
No value. Might
As well
Give it away.
That poem you love,
That saved your life,
Wasn’t it given to you?
(From Gregory Orr’s Concerning the Book That Is the Body of the Beloved)


لا أنزه نفسي، فلو كنت زاهدة في الدنيا لدرست الأدب العربي، لا الإنجليزي، ولكن دافعي الأسمى هو الحب، درست الأدب لأني أحبه، درسته بالإنجليزية لأنه من الممتع أن تنظر من نافذة مختلفة وترى الشمس ذاتها من زاوية أخرى. اليوم نعيش في عصر يمكن لجهاز بلا عقل أن يكتب قصيدة، وقد تظن أن هذا يفقد الأدب قيمته، ولكن لأني درست الأدب أعرف أن الأدب «المصنع» مجرد موجة، ستذوب في البحر قريبًا ويقرأ أحدهم كلامي هذا ويضحك: «يووووه أيام الذكاء الاصطناعي» وهنا أتذكر، أن الأدب هو أداة سفر عبر الزمن. وأن قيمة الكلمة الواحدة هي في كونها فكرة، تشجع أحدهم ونطقها، لتصبح واقعًا لا يمكن دحضه. يقولون أيضًا أن الأدب لن يغير العالم، ولكن ما الذي غير العالم؟ الفقر والمرض والمآسي ذاتها موجودة، لما يثقل عاتق الأدب بتغيير العالم؟ هذه الأفكار التي تجعل الكاتب أو الفنان بطلًا نبيلًا ربما هي من أسباب كره «العالم» للأدب والفن. البطل لم يغير العالم، والبطل يزعجنا بقصيدة في وقت مأساة، والبطل لا يعرف متى يسكت.

 


يصعب علي أن أصدق أن هناك من لا يقرأ، القراءة بالنسبة لي فعل اعتيادي، مثل التنفس، ولا أعني أنها بذات أهميتها، والتوضيح لأولئك الذين لا يقرأون فيظنون أن كل كلمة تكتب أو تنطق يقصد بها المعنى الحرفي لها لإصابتهم بالعمى البلاغي. نعود لأمرنا، القراءة فعل اعتيادي، بل وأسهل بالنسبة لي من أن أشاهد فيلمًا مثلًا، هناك ميزة أن تقرأ كلمة كتبها شخص غريب عنك وأن تفهمه. أظن أن العالم سيكون أكثر صبرًا لو أنه قرأ أكثر، قراءة صادقة، لا قراءة بغرض نشر «قائمة الكتب المليون التي قرأتها هذا العام.»  ما هو الشعر إذن؟ الشعر جواب، عندما ينادي الحب، كما تقول نيكي جيوڤاني، لا يُجيبه سوى الشعر. جواب كل عاطفة، رثاء، مديح، هجاء، غزل، هناك دومًا قصيدة على طرف لساني، تتشكل من كلمات قرأتها وأصبح صداها عاطفة في فؤادي لتعود مجددًا كلمة، قصيدة أرفض بيعها.

 

Comments

  1. "هناك دومًا قصيدة على طرف لساني" ❤️

    ReplyDelete

Post a Comment