قصة هذا القلب


ربما تساءلت ذات يوم مثلي الآن عن أصل شيء نراه كل يوم منذ كنا صغارًا، معظم هذه التساؤلات تُنسى في اللحظة التي تليها لذا أردت تغيير مصير هذا التساؤل الذي باغتني صباح هذا اليوم من اخترع هذا القلب؟ وما قصته؟

 قد يكون القلب هو الإيديوغراف (رمز تصويري يعبر عن معنى بدون استخدام الكلمات) الأكثر شهرة في العالم وربما تتصوره الآن في عقلك وأنت تقرأ هذه الكلمات! يختلف هذا القلب في تصويره عن القلب العضوي المليء بالتفاصيل الدقيقة ولأصل هذا الرمز روايتان، الأولى هي أن الرمز استلهم من شكل بذرة نبات السلفيوم المنقرض الذي استخدمه الإغريق والرومان كمانع للحمل، ويعتقد أيضًا أن هذه النبتة رفعت من اقتصاد ليبيا آنذاك لذا سُكت عملات بصورتها.

الرواية الأخرى أيضًا تأخذ لبنتها الأولى من الإغريق، ففي العصور الوسطى رغب الناس في رؤية هذا الصغير الذي يتحكم بعواطفهم وفكرهم حيث أعتقد القدماء ومنهم أرسطو أن القلب هو مركز الفكر وليس العقل، وفي العصور الوسطى كان للكنيسة الكاثوليكية اليد العليا في أوروبا وإبان منعها لتشريح جسد الإنسان قام الأطباء بتشريح الطيور والحيوانات لفهم الأجزاء العضوية ولذا يُعتقد أن رمز القلب مستوحى من شكل قلوب الطيور، ويذكر أيضًا أن الكنائس الكاثوليكية ساهمت في شهرة رمز القلب عبر استخدامه في تصوير قلب عيسى (عليه السلام) المقدس.


وهذا التصوير الخاطئ للقلب بقلة تفاصيله وببساطة شكله أصبح من أسهل الأشكال رسمًا وأكثرها معنى، وربما يكمن هنا معنى خفي في التخفيف من تفاصيل القلب والحب لغاية تسليعه وتسويقه، يرتبط القلب يتبادر بيوم القديس فالنتاين والذي قد تضخ المصانع فيه قلوبًا رمزية أكثر من قلوب العالم الحية، فهذا قلب ورقي أو معدني يحتوي على قلوب من الشوكولاتة، وهذه أحجار كريمة أصبحت قلوبًا تهدى للأحباء وتلك بطاقة معايدة بشكل قلب لمضاعفة معنى الرسالة، تقدر إحصائية أجريت في 2020 أن علب الشوكولاتة بشكل قلب المباعة في موسم يوم الحب بلغت 38 مليون علبة، وقد لا تكون القلوب هي بيت القصيد في هذه السلعة بالتحديد ولكنها الوعاء وهي تحمل رسالة ضمنية قد يخفت وهجها باختلاف شكل العلبة وهل هناك أرق من أن يكون قلبك حلوى يأكلها من تحب؟ 


رمز القلب لا يرتبط فقط بيوم الحب بل أنه امتد حتى حياتنا اليومية وثقافتنا الشعبية، فعندما نفتح بطاقات اللعب نجد أن ثلاثة عشر بطاقة من أصل اثنتان وخمسين يحملن رمز القلب، وارتبط القلب في عصر التقنية ووسائل التواصل الاجتماعية بالإعجاب مقويًا المعنى الذي يحمله، وهو أحد أكثر الأيقونات استخدامًا في التواصل الإلكتروني حيث احتل المرتبة الخامسة في عام 2022 بعد الوجوه الضاحكة والباكية. وقبل أن يوجد هذا الرمز بصيغته الحالية على أجهزتنا عوضناه برقم 3 وبجانبه علامة الأكبر من ( >) وكيف لرقم وشكل هندسي أن يصبحا رمز العاطفة سوى على يدي الأنسان؟ وفي الألعاب الإلكترونية يمثل القلب الحياة (أو كما يسميها اخوتي: أرواح)  فكلما خسرت اللعبة تحول قلب من الأحمر للرمادي وتنتهي اللعبة بخسارة موجعة إذا فقدت جميع القلوب حمرتها.


شخصيًا يولد القلب العضوي انطباعًا مختلفًا بداخلي عن رمز القلب ، فالأول يبث فيني حسًا من الرعب والقلق والدهشة وجميع هذه المشاعر تتفوق في حدتها على تلك التي يولدها رمز القلب، فهذا الأخر طفولي ورقيق ولا يعرف عن الدم سوى لونه، صامت لا صوت له وليس له وظيفة كي يتوقف عنها فجأة كاسرًا من أحبوه. ولكن الأول قوي لا يباع ولا يشترى وبذات اللون والحجم* وأما الثاني تتعدد أحجامه وألوانه وخاماته وتخفض قيمته وترفع حسب زيادة وقلة الطلب.


* كلام عاطفة وليس علم، علميًا للقلب البشري أشكال مختلفة وقد يختلف حجمه تبعًا لصحة الشخص.

 

Comments

  1. مها قدمتي لنا على طبق من فضة مقالة شاملة لتاريخ رمز القلب الظريف الذي رافقنا منذ بداية البشرية! لم يخطر ببالي من قبل ان ابحث عنه! شكراً لك و لمقالك الذي زادني ثقافة.
    اتمنى لك يوم سعيد يا مها
    بثينة اليوسف
    https://www.bethjosef.com/

    ReplyDelete

Post a Comment