شبح الضوء
لم تلمس أقدام مخلوق أرض ذاك البيت منذ أعوام، ولكن قبل بضعة أيام هبت عاصفة، لم تهدأ الريح لساعات طوال، اندلع البرق في السماء، وصوت قطرات المطر أصبح معتادًا كصوت النفس وهو ينساب بين طيات أجسامنا، شهيق وداع الماء للسماء وزفير قبلاته للأرض، بكل عنف ورحمة فاضت السيول وتعطرت الأرض بمسك الحياة، هذا السكون البشري صاحبه انقطاع الكهرباء، هكذا فجأة حل الظلام وتضاعفت جراءة الليل.
وعندما أشرقت شمس النهار وتبددت غيوم المساء العاصف، خرج الجميع ليرى هول العاصفة، وكيف يسير الماء في ذات الطرقات كل عام، أمضينا النهار كله ونحن نوزع النظرات، ثم بدأ ظلام ليلة أخرى يظهر لنا بعيدًا في أفق السماء، وما أن خفت نور الشمس حتى اتضح لنا أن انقطاع الكهرباء ما زال مستمرًا، ما عدا بيت وحيد شعت جميع أضوائه على غير العادة، فهذا المنزل كانت تسكنه امرأة وحيدة لا يعرف اسمها أحد، توفيت منذ سنوات بعيدة، كبر فيها الأطفال وشاب شعر الآباء، وطوال تلك الأعوام سكن الظلام منزلها، فلم يكن فيه أي نبض، وكأنه ما كان يومًا مأوى لإحداهن.
شاهد الجميع الأضواء التي قد كانوا أيقنوا أنها فنت بفناء أهل الدار، فلقد رأوها آنفاً وهي تومض بالوداع، حتى لبسها الظلام منتزعًا الدفء من زجاجها، ولكنها الليلة تشع ضياءًا، وكأنها منارة تنادي روحًا قد رحلت منذ الأبد.
لم تفارق أعيننا ذلك المنزل وأضوائه طوال الليل، وكلما اعتادت أبصارنا المشهد تبدد خوفنا منه، فما هي إلا ساعات حتى تسمر أطفال الحي حول المنزل، فقد صرح والد أحدهم بأن الشياطين هي من أنارت المنزل وأن جزاءهم هو الرجم، فامتلأت الأيادي الصغيرة المتلهفة للانتقام بالحجارة، ولكن جميع تلك الذخائر لم تصيب الهدف، ووقعت غريقة في بحر الظلام، هكذا حجرًا تلو حجر، يهوي في أعماق ما لا يُرى.
استمر صوت الحجارة وهي تتساقط إلى مصيرها طوال ليلة شتوية تكاد لا تنتهي، ومن ثم رأينا نور النهار يشق طريقه إلينا من الزاوية الشرقية للحياة، وفي تلك اللحظة التي مدت فيها الشمس يدها إلينا، حطت حمامة بيضاء بهية على الباب الأمامي للمنزل القديم، وانطفأت أضواءه وعادت إلى منازلنا وعدنا نحن معها كلٌ إلى بيته، ولم ننظر إلى ذلك البيت مجددًا.




Comments
Post a Comment