فبراير: قلب جدة الأخضر

Photo by @raneemishaban on Instagram



 يقول مساعد الرشيدي رحمه الله -: «لا فاز الأهلي تنام الأرض مبسوطة» وبينما تنام الأرض هانئة أتذكر جدي رحمه الله - أول من أصابته حُمى حب الأهلي وأورثها لنا. أتذكر الرجل الحازم الشديد الذي يرفع صوته غاضبًا موبخًا وأقرب ما أجد لوصف صوته هو دوي الرعد. جدي لين القلب، خفيف الظل، الاستثنائي، الذي أفنى سنوات عمره في مقعد السائق. أتذكر قيادته، لأسرتنا ولسياراته العديدة. كل واحدة منهن حقبة تاريخية منفصلة، سيارته الأولى عربة نقل «لوري» كان بها حلقة الوصل بين قريتنا والعالم (غالبًا جدة)، ثم كان سائق حافلة، ثم تملك سيارة أجرة «كرسيدا» تقاعد من عمله فتقاعدت معه هذه الرفيقة، ولكنها لم تفقد اهتمامه بها مثلها مثل كل ما أحب.

قيادته تحاكي شخصه، ارتجالية حكيمة، لا تتوقع أبداً لحظات السرعة الهائجة، ولكنك تعلم أنك بأمان، لأن «جد» هو من يقود المركبة إلى البيت الذي بناه بنفسه مثلما بنى أسرتنا. أرى جدي مثل الصخرة التي رُميت في البحر ونحن الأمواج الرقيقة التي تحيط بها، فوالديه توفيا بعمر صغير مما اضطره للعمل ولرعاية أخويه الأصغر سنًا في ذات الوقت، وكأنه أفنى سنوات عمره في قيادة السيارات، محبة الأهلي، ورعاية من يحب.

كلما فاز الأهلي أتذكره، وأتذكر تلك اللحظة، كنا نشاهد مباراةً في الدور العلوي من البيت في مجلس الرجال المؤثث آنذاك باللون الأخضر (أو أن ذاكرتي ترى كل تلك السنوات خضراء!) وسبب المشاهدة في هذه الغرفة هو بغية الهدوء فمتابعة الأهلي تتطلب سكينة خاصة كلقاء حبيب أو قريب أبعدته عنك الدنيا، في كل مباراة هذه هي حميمية اللقاء؛ ولأن الدور السفلي من المنزل كان ممتلئ بالضحكات، وأصوات أعمامي، وعماتي، وأقربائي، أتذكر صعودي مع جدي للطابق العلوي، وأتذكر أن الأهلي تألق في النصف الأول من المباراة وأتذكر جدي وهو يدندن مع إعلان مشروب غازي ما بين نصفي المباراة، ولكن ما أطربه قطعًا هو الأهلي.

أتذكر كل هذا الحب الأخضر الذي لا يفنى كلما لعب الأهلي، بخيبة وحزن على الجفاف الذي عقب الخضرة، وأتذكر غابات نخيل خضراء يانعة تنبت بوسط جدة، وأعلم يقينًا أن لجدة قلب أخضر يملأنا بمحبة كعناق خفي لا يتخلى عنا أبدًا.

Comments