مارس: عمر النخيل


«كالنخلِ.. جَدِّي الذي ربَّــاهُ ربَّـــانـي»
من قصيدة «حَرْبْ.. النَّخلُ ونعناعُ السلام..!» للشاعر محمد جبر الحربي

لا أدري كيف تبدأ وكيف تنتهي حدود الوطن، ربما الوطن يفيض كالبحر وأمواجه هي أشعة الشمس، أفكر أحيانًا بأن هذه الأرض هي وطني لأنها مسكن أجدادي ومن ثم يأتي السؤال: كيف رأوا أجدادي وطنهم لأول مرة؟ أنظر إلى كل حجر، وكل كثيب رمل، وكل شيء لم يغيره الزمن منذ آنذاك، وأبحث عن الوطن الذي أوقف ترحال البدو وقال لهم هاكم بيتًا، ونخيلا، وبئر ماء عذب، أن طاب لكم المكان فاكتبوا لي قصيدة، هكذا في كل مرة أتخيل أول لقاء بيننا وبين الوطن، وفي كل مرة لا يطلب الوطن شيئًا في المقابل سوى بيت شعر يضمه.

كيف اتسعت الخريطة وصارت كل هذه الأرض موطني، أفكر أحيانًا أني لو شئت لمشيت من ساحل البحر الأحمر إلى الخليج، وكل من أصدف في طريقي هم أهلي، كلنا من بيت واحد، كيف يكون أمان الطريق وأنت تسير من بيتك إلى بيتك؟ وأن لم أمش كل هذا الطريق فأنا أعرفه جيدًا هذا الدفئ الذي اسمعه عندما أنظر إلى ألوان بلادي، أنضر درجات الخضرة، لا يعرف المشيب له دربًا.
كل هذا الوطن كيف عرفه أجدادي؟ كيف ناموا أول مرة تحت ظله، كيف كانت أول لحظة أمان وعودة؟ هل رأونا في الحلم؟ نحن وهذا الحاضر عندما كان صغيرًا يخطو خطواته الأولى قبل أن يكبر؟ كم مرة رويت البذرة وكم عين نظرت إليها ملهوفةً وهي غارقة في الرمال لأراها الآن نخلة تعانق السحاب؟

لعل النخيل، صورةً وكلمة، روحًا وحياة هو أكثر ما يتبادر إلى ذهني عندما أفكر في الوطن بكل تفاصيله، فإن سألتني كم عمر هذا الوطن أجيبك أنه بعمر النخيل، ليس بعمر الزهور فالوطن لا يذبل مثلها، بل كالنخيل هو شامخ ومعطاء، والوطن مثل اللغة، فمثلما أقول هذه هي لغتي الأم وبذات الوقت أجدها تولد على لساني وبين شفاهي، ألست أنا أمها؟ وهكذا بنفس الخطى هذا الوطن وأهله وجدوا بعضهم، كما يعيد الشاعر ترتيب الكلمات لتولد القصيدة من بين ثنايا قلبه، ولد الوطن بكل البذور التي رواها جهد لا تتعبه السنوات ولا تحجبه الشمس، أدرك الآن أن الوطن هو بيتنا الذي يبنينا ونبنيه وهو كل نخيل العروبة اليانع.

Comments