يوليو: حصريات لغوية

لن يُكتشف بحر شعر جديد فهنا تنتهي خريطة اللغة،

ولن تولد كلمة جديدة فكل ألسنتنا عقيمة،

لأن الميل عن القواعد أصبح جريمة

ضحيتها لغة محتجزة بعيدًا في الظلام لنحفظها من الزوال،

ربما شُيعت اللغة عندما أصبحت الخيمة حجرًا،

فكيف للصلابة أن تنطق شعرًا؟


اليوم تبدو لغتنا مثل قصر شيده الأجداد وبقينا في حدوده لا نتوسع وندين من يقترح فتح النوافذ، نقف جامدين تحت سقف ورثناه، هذا القصر بهي، ولكنه مكتظ فأين الحل؟ لا حل هنا، فالأصوات في ساحة القصر تغالب المنطق، يقترح الفريق الأول أن نحاول بعد مئات السنين ترويض الألسنة والعقول لعصر المعلقات، هكذا فقط نعود للماضي وكأن اللغة جماد، وليست روح. ويقول الفريق الثاني آن الأوان لنفترق، فكل لهجة عربية أصبحت لغة بحد ذاتها وعليه فأن كل لهجة عليها الانتقال إلى شقتها أو بيتها أو كوخها. أما الفريق الثالث فباشر بحفر قبر اللغة، ولكن لجهلهم بها فإن الحفرة بضحالة فكرهم.


يجب أن نفهم أن اختلاف اللهجات ليس عيبًا وأن تعريب كلمات أعجمية ليس عيبًا، فاللغات هي الكلام والكلام هو التواصل بين البشر، كثير من كلمات قاموس العرب مُعربة من الفارسية وغيرها، وهذه اللغات بدورها أيضًا استعارت من العربية، وقبل أن يثور فريق حفظ اللغة من الإعجام فلنتذكر أن كلمة «بركان» هي تعريب «ڤولكانوس» اللاتينية، أنترك البركان ونقول «جبل النار»؟ حتى لا نفقد هويتنا ونخسر معارك الثقافة؟ أنحن أحرص على العروبة والإسلام من أسلافنا الفاتحين والمحاربين؟


 جمود اللغة الحالي وجهلنا بها (أو جهلي أنا) هو وليد عقود وعقود، ولا يمكن معالجة حالة مزمنة في ليلة، ولكن فهم اللغات ونشأتها عامل مهم في حل مشاكلها. أرى أن منبع معظم هذه الأزمات هو سوء فهمنا لعلاقتنا باللغة فغالبًا ننظر إليها على أنها أم ونحن أبناؤها، والحقيقة هي أنها وليدة ألسنتنا، وأرى أيضًا أن الفصاحة لم تندثر فما زالت محفوظة في لهجاتنا. وأهم آرائي هو أن العربية هي ضحية التخلي عن الأدب، فالتركيز على العلوم الطبيعية قلل من اهتمام المؤسسات العلمية تجاه تعليم العربية بكافة فروعها، والتصور الحديث للعلم وأن على كل فرد أن يركز وقته وجهده في «تخصص» محدد ويكرس فضاء فكره لغرض وحيد.


ربما يرى البعض أني لست الصوت الأفصح لهذا الخطاب، فأنا درست لغة أجنبية في تعليمي الجامعي ويغلب على فهمي للأدب نظرة غربية، ولكن ما أراه كل يوم على صفحات المواقع من مبالغة وسخرية لا يمت للعروبة والعربية بصلة. أصبحت أبحث في الفترة الأخيرة عن روابط لهجتي بالفصحى، وفي لهجتي التي سبق وأن تبحرت في تسمياتها للجهات الرئيسية في تدوينة قبل عامين، نقول: «فلان يتفصحن» بمعنى أن فلان يفخم كلامه ليتصنع مظهر العالم المتمكن أو المثقف، وربما هذه النظرة الساخرة للفصاحة تظهر الشق بين نقاشات اللغة في العالم الافتراضي وأرض الواقع.


كل يوم نتناسى لغتنا، نبتعد عنها شيئًا فشيئا خطوات صغيرة حتى وجدنا أنفسنا بعيدين عنها وهي على أطراف ألسنتنا، أن اللغة التي توسعت للهجات وجالت ميادين الشعر، وأنزل بها خالق الكون البيان العظيم لا تُسعف بالحفظ فقط، بل بالتطور والتوسع، لا عيب في خط كلمات جديدة. تُبعث روح اللغة عندما تكون وعاء الفكر، عندما نحترمها ونتصل بها ولا ننفر منها. وتموت عندما نتوقف عن الابتكار، عندما تجف بحور الشعور، عندما نصرخ أو نسخر رفضًا من كل محاولة لإنعاش اللغة، ولو كان الأجداد مثلنا لسكتوا وسكتنا وسكتت اللغة.

 

Comments