كيف عاش رودريغيز؟ وكيف مات تاكر كرو؟

العلاقة بين الفنان والجمهور من أغرب فروع العلاقات الإنسانية، أن تعرف أحدهم، وتفهمه وتحلل كلماته كما لا يعرفه أحد، وينظر لك الجميع كمجنون، فقط لأنك تفهم وتحب فن هذا الشخص. في الشهر الماضي قرأت رواية Juliet, Naked (٢٠٠٨) للروائي الإنجليزي نيك هورنبي، وشاهدت وثائقي Searching for Sugar Man (٢٠١٢) للمخرج مالك بن جلول.

كل من الفيلم والكتاب يحكيان قصة فنان ومحب، ففي وثائقي بن جلول يحاول رجلان من جنوب أفريقيا البحث عن مغني أمريكي لم يشتهر إلا في دولتهم، وليس له إلا ألبومان أصدرا في مطلع السبعينات عقبها اختفاؤه من عالم الفن وختامها شائعة انتحاره حرقًا أثناء حفل موسيقي.



 أما رواية هورنبي فتتمحور حول تاكر كرو مغني أمريكي اعتزل الفن بعد إصدار ألبوم وحيد، ودانكن رجل إنجليزي يحب تاكر وأغانيه حد الهوس، تتداخل حياتيهما بعد أن يصل لدانكن طرد يحتوي على تسجيلات أولية ـــ demos ـــ لألبوم تاكر، آني (شريكة دانكن الكارهة – بمحبة – لهوسه بتاكر كرو)  هي أول من يسمع الإسطوانة وتنتقد نشرها لكونه يقلل من قيمة العمل الأصلي أما دانكن فيبكي وهو يسمع الإسطوانة! يبكي لقاء طال انتظاره مع الرجل الوحيد الذي يفهمه، هذا العبقري الذي لم يفهمه العامة كما يفهمه هو، تنظر له إحداهن وكأنه مجنون عندما تراه يبكي أمام البحر وهي يستمع لموسيقاه. 

يلتف السياق ويتضح لنا امتعاض تاكر لنشر هذه التسجيلات الأولية، المنشورة بمسمى جولييت عارية، لكونه يراها تمحي تعبه في صقل كل أغنية، متفقًا مع آني بأن نشر التسجيلات الأولية يقلل من القيمة الفنية للألبوم ولتاكر كفنان، تركز الرواية أكثر على الجوانب الإنسانية للعلاقات بين تاكر وآني ومحيطهما وتطور علاقتهما بعد انفصال آني ودانكن.



...

لا يمكن لطرف ثالث أن يفهم هذه العلاقة وحقيقتها، يقول رودريغيز بأن جنوب أفريقيا أشعرته بأنه أكثر من أمير! هذه الدولة التي مرت بأزمة تاريخية رافق شعبها صوت عامل بناء أمريكي من أصول مكسيكية وردت العرفان بجعله أميرًا لقلوب أهلها.

عاش رودريغيز مرتين، مرة وسط ثلوج ديترويت، عامل بناء بسيط يغني أحيانًا أمام جمع متواضع في مقاهي وبارات بلدته، ومرة أخرى في أسطوانات وإذاعات جنوب أفريقيا بالرغم من محاولات حكومتها آنذاك بكتم هذه الحياة بخدش أسطواناته بأدوات حادة! ولكن الحب يشق طريقه عبر الصعاب، والتقت الحياتين لمرة في عام ١٩٩٨ في كيب تاون. 

بعد عقود، وصل رودريغيز أخيرًا إلى جنوب أفريقيا، واعتلى المسرح أمام الآلاف من محبيه، تقول ابنته ان اللقاء كان أشبه بلم شمل لا حفلًا موسيقيًا. لأكثر من عشر دقائق يقف أمام بحر من التصفيق الحار والنظرات المحبة، صوت الجيتار يملأ ما بقي من فراغ، وأخيرًا ينطق رودريغيز لمحبيه:

«شكرًا لإبقائي حيًا.»

(.Thanks for keeping me alive)


عاد بعدها إلى بلدته وحياته، ولكن الحب بقي مع الجانبين ومعي بعد مشاهدة الوثائقي.

ربما الرابط الأهم هو الكلمات؛ يتذكر تاكر كرو حياته وأغانيه وهو على متن طائرة تعود من إنجلترا إلى الولايات المتحدة، وكيف أنه كلما كتب أغنية كان لابد له أن ينهي قصته مع الشخص الذي يكتب عنه، وكم خسر من حياته ليبني حياة أخرى يعرفها غرباء أكثر مما يعرفها هو. أتفكر فيما لو كانت أغنيتي الأحب لفنان شهير هي الأحب له، أن كانت تعني له كما تعني لي، أم أنها مجرد نقطة ختام مع أشخاص أصبحوا غرباء بالنسبة له. هذا النوع من الكتابة الاعترافية، المتعلقة بشكل كبير بالحياة الشخصية للكاتب لطالما أثار اهتمامي، سواء في الشعر أو في الموسيقى، لا أتفق بأن الكاتب ينفصل عن نصه لحظة إشهاره للعلن، ولكنني أرى بإن كل من يقرأ أو يسمع يصنع سياقًا جديدا للنص. يقول تاكر كرو أيضًا بأن جل ما يفعله الكاتب عندما يكتب بهذا الأسلوب هو أنه يحول الحاضر إلى ماضي، أن يأخذ ذكرياته ويضعها داخل صندوق زجاجي حتى تفقد معناها، واسترجع إحدى جمل أغنيتي المفضلة لتايلور سويفت New Year's Day:


 please don’t ever become a stranger whose laugh I could recognize anywhere

رجاءً، لا تتغرب عني، بضحكتك التي أعرفها من بد ملايين.


في مشروعها لإعادة تسجيل أغانيها، توقفت تايلور قبل تسجيل ألبوم reputation (٢٠١٧) المحتوي على الأغنية آنفة الذكر، شرحت تايلور في رسالتها لمحبيها ومستمعيها صعوبة العودة لهذا الألبوم وإعادة تسجيله وأنه لا يمكن له أن يكون أفضل مما هو عليه. لا أنكر عتبي عليها لكوني أردت سماع التغيير البسيط الذي نسمعه في كل إعادة تسجيل منذ بدء مشروعها، الصوت الناضج، الأكبر وهو يكرر ذكريات قديمة ومشاعر يفصلها الزمن عن يومنا هذا.

 

ذكرياتنا مع الأغاني، والأفلام، والكتب التي نحب هي التي تعطيها قيمة شخصية مُضافة لنا، وتجعلها تبرز دون غيرها في عقولنا، وقد يذكر أحد أن فيلمه المفضل هو «تحفة» نسيها حتى مخرجها وكاتبها فنضحك لتصُنعه الاختلاف والتميز والمعرفة السينمائية الفذة! ويقول أخر بأن أغنيته الأحب هي أحدى أشهر الأغنيات لأشهر المغنين وبكلمات نراها سطحية وربما لا يكرهها أحدنا بقدر ما يكرهها مغنيها فنضحك على ضحالة فكر من يحبها وعدم فهمه للفن «الحقيقي»! ولكن الحقيقة هي أن للذاكرة أحكامها، ولا يمكن لنا أن ننظر لشيء ونراه بعين من يحبه.

تودعنا الرواية بنهاية مفتوحة يتناقش فيها محبي تاكر كرو عن ألبوم جديد له يتفقون جميعاً على أنه دون المستوى المطلوب وأن أسطورتهم فقد موهبته، ويلمح هورنبي للقراء أن آني انتقلت لأمريكا وتزوجت تاكر وأنها ملهمة الأسطوانة الجديدة (من المضحك أني بحثت في الإنترنت عن آراء وتحليلات القراء لهذه النهاية لأجد موقعًا مشابهًا لموقع محبي تاكر في النص حيث يحللون أغانيه ولكن هذا يزخر بتفسيرات للروايات!)

توفي سيكستو رودريغيز في أغسطس ٢٠٢٤ أي قبل عام تقريبًا، بعد أن أصبح رمزًا لمحبيه، لم أعرفه جيدًا من قبل إلا باستماعي لأغنيته Cause التي يردد فيها:

Cause the sweetest kiss I ever got

Is the one I’ve never tasted


ملاحظة: شاهدت وثائقي Searching for Sugar Man عبر اليوتيوب، وفي كل صمت تملأه الموسيقى كانت التعليقات المصاحبة للفيلم (بسبب خللً لربما أصلحه إعادة تحميل الصفحة) تقول:


Thank you (music)


Comments