سبتمبر: الوطن والديرة

 
أكتب الآن عن وطني في عشية يومه، وفي مارس كتبت عن الوطن وكيف كان اللقاء الأول بين أجدادي وبينه، اليوم أفكر في كيف تختلف صور هذا الوطن في عقولنا. ففي هذا الوطن عندما أقول «تمرة» أتصور الرطب والمتلبن، ويتصور أحدهم عجوة المدينة، وآخر يستشعر حلاوة سكري القصيم في فمه. وعندما أقول الطريق إلى الديرة، أتخيل طريق الحرمين المزدحم طوال العام بحافلات المعتمرين ونظراتهم المتلهفة، يتبادر إلى ذهن صديقة تباطؤ سيارة والدها قبيل صعود عقبة ما في جنوب المملكة، وعندما أقول سواحل بلادي يتراءى لي موج البحر الأحمر ويسمع آخر لحن أمواج الخليج الناعمة.

لا يربط الجميع هذا الوطن بالحرارة والجفاف، ذرات رمال هذه الأرض ليست جميعها بذات اللون، لا تنتج ثمار مزارع أجداد الآخرون في الطائف، والأحساء، وحائل، ما تنتجه مزارع قريتي هنا في غرب المملكة. أستغل هذه الفرصة للانتقال بخطى متثاقلة إلى ثاني أفكاري، نعم هنا في غرب المملكة مزارع ولا يصدق الجميع أن لدينا مزارع، كما لا يصدق البعض أن هناك قوم وطنهم — ديرتهم — هنا على مفرق ٢٧ باتجاه المدينة على طريق الحرمين. ولا ألومهم؛ فالديرة (قريتي تحديدًا) لا وجود لها على لافتات الطريق، ولا على الخرائط، وعندما أتحدث عنها ولا يعرفها أحد، أقول: لا بأس، فالديرة اسمها المندسة، أن لا تعرفوها يعني نجاح مهمتنا!
 
المندسة هو في الأصل اسم عين ماء سكن الناس حولها فأصبحت وطنًا لهم، أفكر أحيانًا بأن الأجداد سكنوا هذا المكان رغبة منهم في أن يكون لأحفادهم نكتة لطيفة يذكرونها لمن لا يعرف الديرة. تسألني الآن أين تقع المندسة؟ وأقول تقع في وادي قديد الذي تسبقه شهرته في المثل الشهير «ما أخس من قديد إلا عسفان» وبلا شك تتعدد النكات التي يمكن لي أن أقولها هنا، ولكن ربما البعض ما زال لا يعرف عما أتحدث، فأقول المندسة إحدى قرى وادي قديد، التابع لمحافظة خليص، التابعة لمدينة جدة، في منطقة مكة المكرمة في الحجاز البهي غرب المملكة العربية السعودية، هذا الوصف يبدو في فمي كملحمة شعرية أو تهويدة عذبة بين شفتي أم حنون. أتذكر ذات مرة عندما قالت لي صديقة هي أيضًا من ذات الوادي بأني «ألمع صورة قديد» ولا أعتقد أني ألمع صورته، ربما أنا فقط أراه بوضوح.

 أقول لا يصدق الجميع بأن هنا مزارع وربيع أخضر، لأن في كل عام أرى صور مرتفعات وأودية مكة المكرمة في مواقع التواصل بعد الأمطار الموسمية، ويتكهن من لم تطأ قدماه هذه الأرض يومًا أن الساعة اقتربت فكيف لصحراء العرب أن تُزهر وأضحك، وأود أحيانًا بأن أشرح أن هذه صور من الجموم وهدى الشام وأنها مناطق زراعية أصلًا وأنني أكلت من ثمارها مرات لا تُحصى ولكن كيف لمن لم يذق الثمرة أن يفهم عظمة هذه الأرض؟
 
عبر الشاشة رأيت أيضًا مقطعًا لمنازل في إحدى محافظات المملكة ويتساءل البعض في التعليقات: «كيف يعيشون هناك، في وسط اللامكان؟» و«كيف تصل طلباتهم من Shein؟» لا يتخيل البعض أن المكان المجهول لهم، معروف لأهله وربما لا يعرفون غيره، وأن الوطن ليس صورة ثابتة، وأن هناك دومًا عين لأجلها لا يرحل البعض للمدينة.
لطالما اعتقدت بأن المندسة هي أكثر مكان ناء على الخريطة —بالرغم من أنها ليست على الخريطة! — ولكني رأيت الأبعد والأعزل والأقل سكانًا، ولم تغير أي من هذه العوامل من كون هذه الأماكن هي أيضًا وطن.
ربما معجزة هذه الوطن هو أنه لا يختزل في الكلمات، مثل محاولة فرش بساط نزهة والرياح تهب عاصفة حتى تقرر أن تعود إلى الأرض وتفترش رمال الوطن، أياً كان لونها، ولحافك سماؤه المطرزة بالنجوم، أو الغيوم، وتفكر في كلمة تصف الوطن.

Comments

  1. تدوينة رائعة كالعادة.
    "ولا أعتقد أني ألمع صورته، ربما أنا فقط أراه بوضوح." لامستني هذه الجملة. يصعب على المرء شرح ما يعتقد انه بديهي وواضح لمن لا يرى جمال الشيء كما يراه هو، فينتهي بهم المطاف إلى إطلاق حكم المبالغة على تقديره. ربما يستحيل شرحه، وقد يكون كما يقول المثل: beauty is in the eye of the beholder

    ReplyDelete

Post a Comment