نوفمبر: جارية، كالماء.


تلك الليلة كانت أملي الأخير، فرصتي أن أرتاح للأبد. 


لعله كان يوم أربعاء فغالب السيول القوية تصادفه، أذكر أني رجوتهم أن يصلوا صلاة الإستسقاء صباح الإثنين الذي سبقه، توسلتهم أن يصلوا طلبًا لأمطار الخير والبركة، غيثًا يملأ الآبار ويروي الحقول، ولكنهم رفضوا، وتكاسلوا! تكاسلوا أن يصلوا ركعتين لربهم؟ والآن يتساءلون لما جفت العيون وشح الماء عنهم، لا كلمة لي علي عبيد ربي، فأنا منهم ولكن، لو أنهم صلوا، ربما لما كان ما كان.


كل شيء بدأ يوم ولد، وقفت صامتة أراقب فرحهم، بعد انتظار سنوات أخيرًا رجل المستقبل. ثم مرت السنوات كهبوب آخر رياح صيفية، سريعة وجافة، كبر الولد، شاهدته من كل نوافذ البيت وهو يذهب أينما يشاء يعبر طرق حُرمت على قدماي. ومتى ما عاد للبيت وضعت صحن الغداء أمامه، وفور ما فرغ من طعامه أخذت الصحن وغسلته، ثم لممت ثيابه وغسلت عنها روائح الخارج؛ المدرسة والسوق والشارع. ومن ثم أوى إلى فراشه وتخلى عن عمله في المزرعة، فذهبت لأقوم بعمله عنه كالعادة، ولكن الفارق الوحيد هو أني أساعد في المزرعة، فكل ما أفعله مساعدة لا يعطوني حتى فضيلة أن أنجز شيئًا، «هذا عمل أخيك، الذي تساعدين فيه.» 


كيف لي أن أنسى ذاك اليوم، أول مطر بعد أن وضعوا مضخة المياه الجديدة ولكنهم يتناسون هذا لأنهم يحبون الحكومة فمن يعطيهم المال غيرها، أفواههم تشترى ولكن صوتي لا يخفيه نعيقهم. كيف لهم أن يتحكموا بالماء ويبنوا سدودًا تشكل دربه على أهوائهم ويتصورون أن الماء سيستجيب؟ جميعنا رأينا ما حدث، ثار الماء كموج البحر بسبب مضخاتهم وسدودهم شرق الوادي، ثار الماء وأخذ معه كل شيء للساحل وأخذ يحيا في طريقه. كله من قطيع الأفواه، لا يفكرون في الفتى وأمه المسكينة التي ليس لديها غيره، بلا رجل يحمل عنها أعباء الحياة.


يعتقدون أني حمقاء وجاهلة لأني لم أذهب يومًا للمدرسة، يعتقدون أني لا أعرف أن هنالك سدودًا قديمة بناها المزارعون بالحجارة والطين ليبقوا الماء حيث يريدون. كل يوم ذهبت فيه لأساعد كنت أكسر منها ملء يدي من الطين أو أغير مكان حجر صغير. أشياء صغيرة لا أهمية لها، لا يراها الرجال الكادحون.


كنا قومًا مستورين، تشاركنا الحياة حلوها ومرها، ذاك المسكين يحيا لربما كان يعمل في مزرعة أبيه، رحمه الله، حتى في ظلام الليل. لم يكن لأمه غيره بعد وفاة أبيه قبله بسنوات، صحيح لديها بنت ولكن الولد غير، البنت بنت لا تعمل مثل الرجال ومصيرها تتزوج وتخدم رجلها، كنا نقول تربية الفتاة مثل سقاية شجر الغريب، التعب لك والخير لغيرك.


جاء اليوم الموعود، يوم ترتاح روحي من كل حمل وضعوه على ظهري، من كل المساعدة التي لا تنتهي، يوم يموت اسم الأسرة. ضحى ذاك اليوم أخذت حجر أخير من السد، الماء سيتكفل بالبقية. وعندما حل الليل، أكل يحيا عشاءه الذي طبخت، من الصحن الذي غسلت، ثم لبس الثياب التي غسلت، ونام كملك على الفراش الذي أعددت، بلا أي كلمة شكر. أغمض عيناه كما يغمض الوادي عينيه كل مساء ويستسلم للظلام.  


المسكين يحيا ماذا كان يفعل لوحده خارجًا في منتصف الليل؟ الشباب وطيشهم، أذكر أني صحوت على صوت جريان السيل، وكان سقف بيتي مشقوقًا والليل بارد ولكن ما زالت الساعات طويلة حتى صلاة الفجر، استلقيت على فراشي واستمعت، لا شيء ذاك المساء إلا صوت الماء.


لم يغمض جفني ولا لحظة تلك الليلة، وعندما سمعت صوت أول وأرق قطرة مطر، وقع هطولها الخفيف قادمًا من الشرق، أخذت حبل الغسيل، وبكل حنان لففته حول عنقه، وبكل قوتي شددته، في لحظة رحل، لا أظنه ذاق طعم الألم. حملته ووضعته على خيشة قديمة وسحبته عبر باب المطبخ. 


تلك الأيام كنا صغارًا وطائشين، كنا أنا وجمع من أبناء القرية نجتمع كل ليلة وكان يأتينا شاب معه عود من القرية المجاورة، يعزف ويغني وندخن كما يدخن آباؤنا ونشرب كما نشرب نحن، سمعنا صوت الرعد وأصر ابن الإمام أن ننهي سهرتنا باكرًا لكننا كابرنا وبقينا ساعة أخرى. عندما عدت للمنزل ذاك اليوم، أقسم أني رأيت كائنًا أسود يتحرك باتجاه السيل، لا أظنه يحيا، ما رأيته لم يكن آدميًا!    


بينما كانت النجوم تغرق في ستار الغيوم السوداء سمعت من جهة الشرق مولد السيل الجديد ورأيت معه حياتي القادمة، فزدت من سرعتي نحوها وسحبته مسرعة عبر القرية، عندما وصلت مجرى السيل بدأ نهر صغير يتشكل حيث لم يكن هناك شيء غير التراب والحصى، رميته في الموج الصغير وجريت غربًا نحو البيت.    


كانت ليلة مظلمة، تلبدت بغيوم سوداء ولكن المطر لم يأتي فقط قطرات خفيفة، أما السيل جاء قويًا من القرية المجاورة، أخذوا الغيث وأعطونا السيل! كان مندفعًا بشدة كسر السدود القديمة، ليتنا استمعنا للإمام وصلينا الإستسقاء. صليت الفجر في البيت، فالمسجد كان خلف درب السيل، حجزنا الماء عنه وقسم القرية نصفين، المسجد والحقول في الشمال والناس في الجنوب. أين كنت؟ نعم نعم، صليت الفجر في البيت لوحدي، ثم خرجت لأتفقد ما فعل الماء، وفجأة سمعت صياح نساءً آتً من صوب بيت أبو يحيا.


غسل السيل أثر الليل، وأشرقت الشمس وأنا في فراشي، نائمة ملء عيوني عما جرى، ولما صحوا صحوت معهم، ولما بكوا موت اسم الأسرة، بكيت معهم.


*كتبت النسخة الأصلية بالإنجليزية كواجب لمادة القصة القصيرة، استوحيت في كتابتي من أساليب كتاب عالميين مثل إدغار آلان بو و ويليام فوكنر كما تتطلب المهمة، ركزت أيضًا على توظيف اختلاف الرواة ووجهات النظر وتأثيرهم على موضوع القصة وسير أحداثها.


Comments