«هل أجعل هذا النص مقروء؟»



الأعوام الأخيرة تتسم بالسرعة؛ سرعة التلقي والتقبل والتحول. ومع كثرة النصوص المكتوبة بالذكاء الاصطناعي والتي تركز على نبرة النص أكثر من أي شيء آخر ولد نوع جديد من الخداع. الذكاء الاصطناعي يقول ما يشاء ولكن بنبرة موثوقة: أكاديمية/شاعرية/فكاهية فلا يشكك فيه «القارئ». أفكر دائمًا في أسباب هذا التصديق أو التقبل، هل هو جهل القارئ؟ أم انخفاض ذكائه العاطفي والذي يجعله لا يميز نبرة النص إلا إذا كانت النبرة مضاعفة آلاف المرات! أكره الذكاء الاصطناعي، وأكره استخدامه لتعديل اخطائي البشرية، وأكره كسل عقل من يتكل عليه لكل شاردة وواردة، مشاعري ليست مجرد كره بل حقد يتكاثر بقراءة كل كلمة كتبها الذكاء الاصطناعي، ومع كل كلمة أشكك في أصلها وفصلها بسبب هذا الوباء.

قبل ما يقارب الأربعة أعوام وفي العدد الثالث من مجلة إثمد الذي عاصر وقت زمن دخول الذكاء الاصطناعي الساحة الفنية والأدبية إلى حد ما، ولكن وقتها كنا عالقين في جدال العرنجية، والأخطاء النحوية الشائعة، وكانت الواصلة الطويلة أو الشرطة المعترضة (—) مجرد علامة ترقيم ولم تصبح بعد وصمة عار يتتبعها المحققون. ذاك العدد احتوى مقالة كتبتها عن الذكاء الاصطناعي وعما إذا كان سيؤثر على الفن البشري وتلقي الإنسان للفن ولم تتطرق للغة، مع أن العدد تمحور حول تلقي الآلة للغة، فجميع صوره كانت مولدة بالذكاء الاصطناعي عبر تلقينه وصف الصور. خلاصة المقالة كانت أنه لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يجابه الإنسان فنيًا، فالفن هو الفكرة قبل الآداة فكم من لوحة تتكل على المهارة دون المغزى تُركت في الزاوية بعيدًا بلا أي أثر يذكر على الثقافة الإنسانية.

اليوم لا أعتقد أن هناك سبيل لتغيير واقع أن شخص مهم ما يجلس على كرسي مهم في مكان مهم يصدق ويرى أن الذكاء الاصطناعي قادر على منافسة البشر فنيًا! أعرف جيدًا أن السبب هو قلة وعينا كمجتمع وكعالم بالعلوم الإنسانية والفنية وأسباب هذا معروفة أو يسهل استنتاجها منطقيًا. لا يمكننا أيضًا تغيير حقيقة أن أجيال قادمة تعيش في عالم ما بعد الذكاء الاصطناعي. ولا أعتقد أن ما نشعر به ناحية الذكاء الاصطناعي مشابه لما شعر أسلافنا به ناحية الكهرباء والهواتف وغيرها. هناك حقائق كثيرة لا نقف عندها بقدر ما يجب: حقيقة أن الذكاء الاصطناعي يجوب الإنترنت و«يستوحي» فنه وأدبه من البشر بلا رادع أو ناقد، وحقيقة أن محركات الذكاء الاصطناعي أصبح ينظر لها وكأنها كيانات منفصلة عن مطوريها والشركات القائمة بها.

في أحد اللقاءات طُلب من الوجه الأبرز (والأقبح) للذكاء الاصطناعي سام التمان التعليق على الخطابات المعارضة للذكاء الاصطناعي من منطلق استهلاكه للمياه، رد التمان بأن الإنسان يستهلك طاقة أكثر! وأن الفترة التي يستغرقها تدريب الآلة هي أقل بكثير مما يستغرق لتدريب إنسان. لعل هذا أغرب شيء في قصص الذكاء الاصطناعي، فالكثير من أمثال التمان ينسون إنسانيتهم ومنطقهم، حسابيًا ومنطقيًا البشر (المستهلكين للطاقة) على هذه الأرض فلما يصب المال على مستهلك أخر للطاقة؟ الجواب هو أن سام التمان لا يزداد ثراء من المستهلك الأول للطاقة. ولعل التمان يشابه الكثير من مستخدمي آلته، فجميعهم يتفادون الواقع والعواقب، ولعله يشابه آلته فالجواب الخاطئ بنبرة واثقة ليخدع الطرف الآخر.

Comments