الحدود بين الضدين، عبر روايتين

من الصعب أن تقرأ قصة تملأها الرموز والصور التي تعكس الزمن وتحاكي المجتمع، محليًا وعالميًا، دون أن تهم بتفكيكها، في النصف الأخير لعام 2025 أنصب جل اهتمامي على رواية Blue Ruin للكاتب الإنجليزي هاري كانزُرو (2024)، بالأخص تركيز راويها وبطلها «جاي»، على الحدود، والثنائيات الضدية التي تصنعها الحدود بين كل ما يسعه هذا العالم. تسير الرواية بسردية عالم الفن، والحدود بين الفن والواقع، فجاي يتأمل في هذا التضاد والحدود –الإطار– الذي يحجز الفن عن الواقع، وفي مشروعي البحثي الذي يحلل الرواية قسمت الأعمال واردة فيها إلى شقين فن بإطار/ فن بلا إطار أو Framed art/Frameless art وهذا في سياق تحليل الحدود التي تسكن جاي.1 فبالرغم من أن جاي يتخلى عن الرسم لكون الإطار حدود يفصل الفن عن الواقع، إلا أن فنه التصوري ما زال يتمحور حول ثيمة الحدود، لتصبح الفكرة نفسها حدودًا جديدة.


الثنائية الضدية تحضر في فنه التصوري، بالأخص ثنائية الداخل/الخارج، والقارئ للنص (الذي أتمنى بشدة أن يُترجم للعربية!) سيرى صراحة هذه الثنائية في فن جاي بالأخص «THE DRIFTWORK» والتي تتكون من ثلاثة أجزاء، ثالثها يرى فيه المتلقي، جاي وهو يحرق كل متعلقاته الشخصية وحتى ثيابه ثم يختفي من المعرض، ومن ثم تخبر القائمة على المعرض بإخبار الحضور أن جاي رحل ولكن العمل الفني ما زال مستمر. وفي سياق سرده، يؤكد جاي أنه ليس فنانًا، وأن تلك المرحلة من حياته أنتهت، بالرغم من استمرار العمل الفني، وهذا برأيي يبرهن أن جاي محكوم بالحدود حتى ولو كسر الإطار وعبر كافة الحدود السياسية على الكوكب. وربما هذا سحر هذه الرواية، أن نتهي حدود السرد والنص، وما زال ذاك العالم وعمل جاي الفني مستمرًا للقارئ، لتُمحى الحدود بين الداخل/الخارج وتنتصر ثورة جاي على الحدود المفروضة على الإنسان.


في «حفرة إلى السماء» لعبدالله آل عياف (2020)، نرى ذات الثنائية الضدية، الداخل/الخارج، والحدود بينهما وكيف تشكل أفراد الرواية، والقارئ لهذا النص (الذي أتمنى بشدة تفوق سابقتها، أن يترجم للإنجليزية!) سيجد أيضًا صراحة مطلقة لهذه الثنائية بالأخص في مشاعر رواتها المتعددين، وأهمهم حمود/طافي والذي يتغير اسمه بتغير الداخل/الخارج أو البر/البحر.2 الحدود تلعب دورًا كبيرًا في الرواية التي تدور داخل قرية مجهرة، والتي ينقسم أفرادها إلى عائلتين من ذات القبيلة أو الجماعة، ولا تمحى الحدود بين هذين الضدين إلا في المقبرة بعد موتهم. تحاول بعض الشخصيات مقاومة هذه الثنائية، بنظرة وسطية للواقع، فكما يقول حمود/طافي، لغيث: «الناس وحنا، ما بين وبين.» ويكمل «لو كان الخير والصلاح هناك فوق في السماء، والشر والردى تحت عند قاع البحر، فترى أغلب الناس يكونون هنا.»

 

بالرغم من الاختلافات بين النصين، إلا أنني أعجز أن لا أرى التشابه بينهما، فكلاهما من نفس الحقبة الزمنية، ومع أن رواية آل فياض سبقت فترة الحجر، إلا أنها تحمل في طياتها فكرة العزلة التي تفرضها الحدود بكل صورها. وفي بنائها المكاني والذي يدور مجملًا داخل القرية بإمكاني أن ارسم رابطًا لتلك الفترة التي تغير فيها مفهومنا للحدود، والمسافات التي نتركها بين بعضنا البعض. أما رواية كانزرو فلا يمكن فصلها عن تلك الحقبة، فهي كُتبت أثناءها، ومن منطلق العزلة وحدودها كما يؤكد كاتبها.3 لذا ربما هذا من أسباب صراحة ثنائية الداخل/الخارج في كلا النصين، أو من أسباب قرائتي لهما من زاوية «الداخل/الخارج». بنظري هذه الثنائية تحكم العالم، وصحيح أننا مثلما يقول طافي «ما بين وبين» إلا أن استيعابنا لهذين الضدبن، وتفكيرنا الدائم بهما، يحكمان نظرتنا للعالم. لا مفر من أن تكون على الحدود، في Blue Ruin يعيش جاي حياة عصيبة، محاولًا كسر الحدود بين نقيضين، وبيني وبينه حدود الصفحات، إلا أن القصة بقيت معي. لدرجة أنني كنت أبحث عن كل عمل فني يرد في الرواية لأنني في فترات عديدة كنت أتجاوز الحدود بتصوري أنه شخصية حقيقية. لذا ربما الكلمات واللغة، والفن عامة هما الحدود التي نهيم فيها وننسى الحدود، لربما لهذا اعتقد جاي أنه نجح بهزيمة الحدود عبر فنه.




1. Maha Alqureqrei, “Borders & Art Narratives in Hari Kunzru’s Blue Ruin: A Multitheoretical Analysis” (unpublished manuscript, 2025).  

Comments