ڤيغچيه، أوبستغارتن، بستان، بوسِتان؛ روح الكلمة والمعرفة واللغة.
صادفت اليوم ترجمات إنجليزية لقصائد راينر ماريا ريلكه المكتوبة بالفرنسية، في مقدمة الكتاب تتحدث المترجمة سوزان بيترمان عن قصتها مع هذه القصائد وعن علاقة رايلكه بالفرنسية. وأهم قصائد هذا الكتاب بالنسبة لي كانت Verger أو بستان، كونها فتحت بابًا جديدًا في عقلي عن صراع اللغة، تبدأ مقدمة القصيدة المترجمة كالتالي:
“Perhaps, dear borrowed language,
I’ve been emboldened to use you because
of the rustic word whose unique domain
has taunted me forever: Verger.
Pity the poet who must settle for less
than this comprehensive word, choosing
between some vague, sinking equivalent,
and worse, an armed fortress.”
بحثت بعدها عن ترجمة عربية ووجدت التالي للمترجم والمؤلف العراقي كاظم جهاد:
«إذا كنت جرؤت على بالكتابة بك
أيتها اللغة المعارة، فربما حتى أستخدم
هذا الاسم الريفي الذي وحده سلطانه الفريد
يؤرقني منذ الأزل ( Verger )(2)
يا للشاعر المسكين هذا الذي عليه أن يختار
ليقول كل ما يتغمده هذا الاسم
تقريبات بالغة الغموض تترنح
أو أسوأ: السياج الذي يصد!»
ما لفتني في القصيدة هو ولع الكاتب بالكلمة وروحها، نعم في الألمانية (لغة الكاتب الأم) كلمة مشابهة لذات المعنى «أوبستغارتن» ولكن الروح تختلف. لعل قرائتي لهذه الترجمة في وقت تثار فيه قضايا اللغة والهوية ليلًا ونهارًا (وبكل حق!) هي التي جعلتني أركز عليها. كلا المترجمين لا يستخدم الكلمة المرادفة في لغته للفظ ڤيغچيه، هذه الحرية التي تترك للقارئ في أن يبحث في سحر الكلمة والنص جذابة بالنسبة لي كما أنها تحافظ على النص وموضوعه، الانغماس في لغة أخرى. عدت لأبحث عن كلمة عربية ترادف اللفظ، الجواب الواضح هو «بستان» ولكن بستان أصلها فارسي، وهذا لا يهم، فبعد كل هذه السنوات من البستنة الشفهية أصبحت بستان منا وفينا، ولم نعد نستنكرها، وهي الكلمة الأكثر شيوعًا بجانب مزرعة بينما نكاد لا نسمع أو نقرأ كلمة «جنة» في ذات السياق. لذا فكرت في أن للكلمة روحًا تتغير بتغير ذاكرة الشعوب الثقافية، فكلمة جنة أصبحت ذات ارتباط ديني، وقد لا يحبذ البعض استخدامها في سياق الزراعة والبستنة.
عدت بعد ذلك وبحثت عن علاقة رايلكه بالفرنسية، لأجد نصًا للمترجم جيمس أوينز يقتبس فيه رسالة للشاعر:
“Alas, to say everything, one would have to know every language” (letter to A. de Bonstetten).
ليقول المرء كل شيء، عليه أن يعرف كل لغة، وأظن هذه «المعرفة» لا تقتصر على على نتائج توفل وغيره من اختبارات اللغة، أو إجادة اللكنة الأجنبية، بل هي فهم لروح اللغة ذاتها. لذا نجد الكثير من المختصين بالإنجليزية، أو المتحدثين المتقنين لها يصفونها بأنها لغة آلية، لا شعر لها، وأظن أن هؤلاء لا يفهمون روحها. وأظن هذا الانفصال الروحي يكون أيضًا بين الأبناء وأمهم (اللغة الأم) فنجد البعض يقول أن العربية لا تنفع لبعض المجالات مثل العلوم التطبيقية ومؤخرًا الفنون أيضًا! بلا شك السياق التاريخي والسياسي له دور في هذا الجدال، فالعلاقة بين الألمانية والفرنسية ليست ذاتها التي بين الإنجليزية والعربية، ولكني أرى فكرة روح اللغة ثابتة.
«اللغة المُعارة» هي عبارة لطيفة تختزل هذه العلاقة بين اللغة أجنبية والمتحدث بها، الذي يفهم أن لها روحًا مختلفة وأنه ولو كتب ذات المعنى بلغة أخرى، لن تكون الروح ذاتها في النص. وهذه الروح هي من ننادي بالحفاظ عليه، وربما ذات النظرة هي التي أدخلت «بوستان» الفارسية في السياق العربي قبل كل هذه السنوات حتى سكنت الروح وتعربت.
الأزمة الحقيقة هي اعتقاد البعض بأن روح العربية ماتت، أو أنها أصبحت شبح، نتيجة جعل الإنجليزية «لغة العلم» بتدريس العلوم التطبيقية ومنها الطب* بها، والأدلة على عدم صح هذا الفكر هي جميع الأمم التي تعلم العلوم بلغاتها الأم!
يقول آخرون أن الإنجليزية هي لغة المستقبل؛ وانتابني الخوف عندما طلبت من نفسي أن أتخيل المستقبل، وأن أتخيل مكانة العربية فيه!
ومن المضحك أن يتساءل أحدهم «لما الخوف من تعليم الفنون بلغة أجنبية، ونحن نعلم الطب مثلًا بذات اللغة؟» وهذا التساؤل العبثي يشابه أن يتساءل أحدهم لما نكره أن نأكل البرتقال بقشره، ونحن نأكل التفاح بقشره؟ الفروق شاسعة، الفن والثقافة من نسيج اللغة وهوية الأمة، بينما الحقيقة العلمية ثابتة حول العالم. وفكرة أن نعيد تشكيل ثقافتنا ليسهل على «العالمية» هضمها فكرة منفرة بالنسبة لي. الموضوع مشابه لصورة الطاولة التي رسمها أحدهم على موقع ريديت قبل أعوام ليناقش منظور الناقد هارولد بلوم. لم أجد المنشور الأساسي، ولكن كاتبه كان يشبه الأدب أو النص بالطاولة، وأن الطاولات تختلف من ثقافة لأخرى مثل تلك القصيرة في شرق آسيا وأنه لا يصح النظر إليها نظرة قاصرة لأنها ليست مثل الطاولة الغربية. فلما يصر من كانت ثقافة أجداده الاجتماع على الأرض والأكل من طبق واحد أن يشغل نفسه بالبحث عن شاغر في طاولة العالمية؟ والمضحك أن كلمة طاولة ليست عربية الأصل، بينما منضدة عربية بحتة، ومنها «نضد» بمعنى رف (والتي ما زلت اسمعها في محيطي).
ومن أغرب ما رأيت على خلفية جدال لغة تعليم الفن، قول البعض بأن العربية ليست لغة فن لأن العرب ليسوا أهل فن، وبالتالي هناك حاجز يستوجب اللغة الأجنبية، وهذا بكل شفافية من أحمق وأغرب ما قرأت. ولكن هؤلاء لا يعتبرون الرقصات الشعبية، وإيقاعات الخبيتي والسامري فنًا، فالفن وبالنسبة لهم هو منتج غربي يفقد حقيقته إذا كتبته أي يد لونها أغمق من لون الورق. وأعتقد أن تعريف ويكبيديا للفن يكفي ويوفي: «الفن عبارة عن مجموعة متنوعة من الأنشطة البشرية في إنشاء أعمال بصرية أو سمعية أو أداء (حركية)، للتعبير عن أفكار المؤلف الإبداعية أو المفاهيمية أو المهارة الفنية، والمقصود أن يكون موضع تقدير لجمالها أو قوتها العاطفية.»
ولا أنسى أيضًا أن فكرة «العالمية» بصورتها المنتشرة في مدارنا هي كرة ترتد بين حائطنا وحائط الآخر (الغرب (الأبيض))، وهذا الفكر هو وليد سنوات وسنوات من الهيمنة الغربية على العالم، جعلته يرى لسانًا على أنه لسان العالم، ولغة مستقبله وعلومه. وعندما نبني في المساحة بين حائطنا وحائطهم، لنقترب منهم أكثر، سيضيق نفس هويتنا، وتفقد لغتنا روحها. عندما يكون التقارب الروحي بين فرد ولغة مثل رايلكه والفرنسية، أو بين كلمة ولغة مثل بستان والعربية، يكون محببًا ولطيفًا ويسهل هضمه. أما عندما يكون أمرًا مفروضًا يصبح مؤذيًا، لذا أجد الكثير مثلي ممن أجادوا لغة عبر محبتهم فنونها (مسلسلات، أفلام، أغاني، روايات) يرتبطون بها روحيًا ما ينعكس على راحتهم في الحديث بها، هذه الراحة برأيي أقل لدى أولئك مما تعلموا لغة أجنبية في المدرسة أو في بيئة عمل، فتكاد مفرداتهم لا تغادر ذات الحقل.
*أرى أن تعريب جميع القطاعات مهم، وعلى رأسها الصحى كونه قطاع تقدم فيه خدمة، وبرأيي أن يُعطى أحدهم نتائج تحاليل بلغة أجنبية في بلد عربي مثل أن يذهب لمطعم ويجد قائمة الطعام بالإنجليزية. كلا الفعلين يقصيان من لا يجيد الإنجليزية، وهذا الإقصاء تختلف ترسباته ففي تعليم الفنون قد يفضي إلى أن يعج مجال الفنون بنخبة مميزة ماديًا مثلًا.




شكرًا على التقاطة «روح اللغة» والكتابة بها!
ReplyDelete